El Ghibli - rivista online di letteratura della migrazione

عربية / english / español / franais



مفك البراغي

بقلم: صابرينا مانكا

محمد لم ينته بعد من إدارة المفتاح في القفل عندما انفتح الباب من الداخل و سحبه ابنه رشيد إلى الداخل ممسكاً به من كمّه و دافعاً إياه نحو منتصف غرفة الجلوس المتناهية الصغر.
- أملك مفاجأة ستجعلك سعيداً
- أرى ذلك, صدرت ضحكة طفيفة عن الأب الذي يقف الآن أمام علبة كبيرة تحمل رسماً يبدو له مألوفاً بعض الشيء.
- ما هذا؟
- كيف؟ ألا تستطيع أن تخمّنه لوحدك يا أبي؟ مع أنه يجب أن تكون قد رأيت الكثير من أمثاله في القرية. إنه هوائي للأقمار الصناعية!
- و ماذا يجعلك تعتقد أن هوائي أقمار صناعية يمكن أن يجعلني سعيداً؟ أحْرَجه أباه مبتسماً.
- الأمر أنك سوف تستطيع أن تشاهد التلفزيون في بلدنا, أن تشاهد ماذا يحدث في العاصمة, في المقاطعة, في القرية, أن تسمع نغمة لغتنا و فوق كل شيء أن تشارك في الصلاة يا أبي. إذن, هل أنا أخطأت؟
محمد استعاد جديته و بقي صامتاً لعدة لحظات, ثم اعترف:
- يبدو أنك لم تخطئ يا بني, يبدو أنك حقاً هيأت لأبيك ما كان بحاجة إليه كثيراً.
و بالتالي جلس على الأريكة, بينما رشيد, مأخوذ من الانفعال, كان يفتح العلبة بمساعدة سكين.
- لم أشاهد أبداً التلفزيون في القرية – كان محمد يفكر بصوت عال – لم أثق أبدا بذلك الشيء, ولكن يجب أن أعترف بأن فكرة رؤية البلد, الإصغاء إلى الناس الذين يتكلمون بلكنة مقاطعتنا أحُنّ إليه بحق: ليس لأنني لا اسمعه غالباً هنا أيضاً, في الساحة, أو في الأسواق, هنالك الكثيرين مثلنا القادمين من مقاطعة الشمال, ولكنه ليس نفس الشيء, ليس نفس الشيء أبداً ...
رشيد كان يمزقّ العلبة بمساعدة السكين, مقطعاً إياها بحماس.
- لقد انتهيت! ها هو الهوائي الجديد يا أبي! لا يبقى عليّ الآن سوى وَصْلِ كل الأسلاك إلى التلفزيون و إلى المأخذ الكهربائي, تثبيت هذا الشيء خارج النافذة, و خلال بضع دقائق كل شيء سيكون جاهزاً.
- أنتَ ولدٌ ماهر يا رشيد. أنا ووالدتك قمنا بعمل جيد معك. لا أعرف فيما إذا كان بإمكاني أن أقول نفس الشيء عن شقيقك. ربما لأنه كان يشاهد التلفزيون أكثر منك بكثير, ما رأيك يا بني؟
- أعطني ُمفك البراغي من فضلك يا أبي؟
- أي مُفك براغي يا بني؟
- ذاك الذي طلبته مني يوم أمس لتركيب مِنصّة إبراهيم المتنقلة في سوق الأمة.
- آه, نعم, كنت قد نسيته. هل تعرف يا بني, أعتقد بأنني نسيته عنده. أنا آسف.
- لا بأس يا أبي. سنتمشى لغاية مخزن كاستوراما و نشتري واحداً منه.
- أنا بحق آسف جداً, فلننتظر يوم الأربعاء, حيث هو يوم انعقاد السوق, و بهذه الطريقة سوف لن تضطر لتبذير النقود. يمكنني أن أصلّي أيضا حتى بلا التلفزيون.
- كلا, كلا سنذهب خلال بضع دقائق.
الإثنان جلسا مقابل الهوائي المُلقى على الأرض, مُسالم, كان يبدو كطبق كبير مع جهاز في المنتصف و يملآ الغرفة بوهج معدني.
كان رشيد يتلذذ مسبقاً اللحظة التي سيشعر فيها أباه أقل ضياعاً في المدينة الكبيرة حيث كان يُهمّشه كحيوان أهبل منذ بضعة شهور.
بعيداً عن القرية حيث كل إخوته و أبناء عمومته كانوا قد هاجروا, بعيداً عن البيت الكبير بجدرانه الرملية المُصفرة, من الحياة الرتيبة التي سبقت موت حكيمة.
محمد كان قد اضطر لأن يستسلم و يتبع ابنه الذي يعيش في فرنسا منذ بضع سنوات مؤمناً احتياجات العائلة.
- إنه أفضل من أجل الجميع -, كان قد تجرّأ على القول ابنه, و كان قد ندم فوراً من عنجهيته. كان يحب أباه كثيراً, طيبته, الهدوء الذي كان يُقيّم به سلبيات و ايجابيات القرارات المهمة, واضعاً مصالح أبنائه دائماً في المُقدمة.
كانوا قد اضطروا لأن يعيشوا في شقة مساحتها عشرون متراً مربعاً. رشيد كان قد تخلى له عن الغرفة, بينما هو كان ينام في غرفة الجلوس – المطبخ. الحمام كان مشتركاً مع السكان الآخرين, في الخارج, في نهاية الممر, و فوق كل شيء أثناء الليل, كان هنالك برد شديد, ولكن محمد لم يتذمّر أبداً و كان قد وثق صداقته مع الجار المقابل لهم و أشخاص آخرين من المبنى.
- سنذهب خلال بضع دقائق, كرّر رشيد بحزم.
محمد ارتدى الجاكيت الذي أهداه له ابنه فوق الجلابية و غطى رأسه و رقبته بشال طويل.
رشيد, عندما رآه ملتفحاً بتلك الطريقة, امتلكته الرغبة في البكاء.
- فلنذهب يا أبي.

*

الإثنان مشيا عبر شارع بيرينيه تحت وابل من المطر.
- هل أخبرتك بأن هذا هو ثاني أطول شارع في باريس؟ يبدأ من شارع دي فنسنت و ينتهي في بيلفيل, مكانك المفضل.
كان محمد يحب المشي. كان معتاداً على الذهاب مشياً على الأقدام, ناقلاً عربته بذراعيه لغاية القرى المجاورة. حكيمة كانت تقول له بحنان بأن الجو حار و كان يخاطر بأن يفقد الوعي من العطش, و عندئذ سوف يتفحّم تحت الشمس, هو كان يفتح ذراعيه بحركة استسلام تقريباً, يحملق عينيه ثم كان يطلق قهقهة عالية.
- يا عزيزتي حكيمة, أنت كان عليك أنت تشتغلي في السينما, أنا جَدّي فيما أقول, لأنه لا أحد يروي التراجيديا مثلك, أو كان عليك أن تمارسي مهنة الكتابة, لكنّا أغنياء الآن و لكنتُ اشتريت جملاً و لكنّا ذهبنا إلى فاس.
- ليس الأمر أن بيلفيل تعجبني, ولكن على الأقل توجد نفس الأشياء الموجودة في المغرب, يمكنني أن اشتري الأحذية, الألبسة و أن آكل أيضاً كما أرغب.
تابعا النزول في الشارع بصمت, بينما محمد يجفف وجهه بطرف شاله.
كاستوراما كان يدهشه أيضاً. خاصة قسم البريكولاج. كان يروقه أن يفعل الأشياء بنفسه. حتى أشياء عديمة الفائدة مثل دُرْجٍ من الخشب أو مَسْند للقدمين. كان قد صنع واحداً لرشيد و أهداه إياه في عيد ميلاده, ولكن ابنه, الذي بدا له مغتبطاً بالهدية, كان ينساه دائماً, و عندما كان أباه يضعه تحت قدميه بينما يكونون ملتفين حول الطاولة, كان يشكره بحرج. في النهاية, محمد كان يعرف بأن تلك القطعة لا تنفع لشيء ما عدا أن يشغل وقته بسرعة أكثر.
نزلا شارع البيرينيه, و من ثم قطعا جزءاً من شارع دي فنسنت, كان الأب و الابن يمشيان جنباً إلى جنب, كل واحد منهما غارق في أفكاره الخاصة, كل واحد منهما سعيد في داخله لأنه بجانب الآخر.
في مدخل المخزن الكبير, الإثنان انفصلا عن بعضهما البعض كما كانا يفعلان عادة. محمد كان يمضي أكثر من نصف ساعة و هو ينبش بين الآلات بحثاً عن شيء يصنعه, بينما رشيد كان يجلس بهدوء في البار المتواجد في الطابق الأرضي و كان يقرأ صحيفة "لا إكيب".
في تلك المرة أيضاً, شاهده الشاب و هو يظهر بعد نصف ساعة و هو يحمل بيده مفك براغي, و هو يتمتم بينه و بين نفسه و يُلّوح بذراعيه.
- ماذا حدث يا أبي؟
- ماذا حدث؟ حدث أنه لا يمكن بعد الآن شراء مفك براغي واحد. لقد تجولت كالأبله في كل القسم: إنهم يبيعونك مجموعة من مفكات البراغي فقط. كل مجموعة مؤلفة من اثنا عشر قطعة, مجموعة بثماني قطع, مجموعة بثلاث قطع, مجموعة بقطعتين. إنني أتساءل إلى ماذا سينتهي بنا الأمر!
رشيد اعتقد بأنه لم يستوعب الأمر جيداً برؤيته يحمل بيده واحداً فقط, ولكنه تغاضى عن الأمر, أحياناً كان أبوه يبدو مشوشاً, ساهياً, و هو كان لا يرغب في تنويهه إلى ذلك. فتاة صندوق الدفع كانت تتأفف و تحدق في نقطة لا مرئية أمامها و هي تكرر مثل حدوتة أطفال:
- ماذا أستطيع أن أفعل لك؟
محمد وضع مفك البراغي في النقطة التي تحدق فيها الفتاة.
- أين وجدت مفك البراغي هذا؟ إنه بلا رمز مُشفّر, ألا تراه؟
- أي رمز مُشفّر؟
- الرمز المُشفّر, الرمز المُشفّر. ذاك الذي يُمرّر أمام الماسح الضوئي لقراءة السعر. بدون الرقم المُشفّر, لا استطيع أن أحاسبكم, قالت و هي تنظر نحو رشيد بحنق.
- من أين أخذت مفك البراغي يا أبي؟
- في المكان الذي توجد فيه مفكات البراغي يا بني. أي مكان آخر؟ ربما لم أقل لك أنهم توقفوا عن بيع مفكات البراغي بالمفرّق؟ كانت توجد قطعتين في المجموعة, فتحتها و أخذت واحداً منها.
- أنا آسفة, ولكنني لا استطيع أن أبيعك قطعة واحدة, يجب أن تأخذ القطعة الأخرى أيضاً.
- ولكن أنا لست بحاجة للقطعة الأخرى – رفع صوته محمد, ثم ندم على ذلك, أضاف كما أنه يهمس – لا أحتاج إليه, هل من المعقول أنني لا استطيع أن أشتري واحداً فقط؟
- كلا, لا تستطيع. إذن, هل تريده أم لا؟ هنالك أناس ينتظرون خلفك.
رشيد أحسّ بلسعة في معدته برؤية أبيه مشوشاً إلى تلك الدرجة, بدا له ضئيلاً و هشاً.
- لا توجد حاجة لكي تغضبي و لا لكي تتغطرسي – قال لمحاسبة الصندوق – سأنزل إلى الطابق السفلي و سأجلب القطعة الأخرى.
- ولكن أنا لا أريد القطعة الأخرى –, اعترض رشيد.
- لقد فهمت – قالت الفتاة, ثم التفتت و أشارت إلى شخص ضخم واقف أمام المدخل يراقب المخزن برمته.
- ولكن كيف تسمحين لنفسك! – صرخ رشيد خارجاً عن طوره.
الشخص الضخم اقترب بخطوات كبيرة و بإشارة من الفتاة أمسك بمحمد من ذراعه و هو يجره خارجاً.
رشيد ألقى بنفسه فوقه و هو لا يرى أمامه من الغضب.

*

كان الظلام حالكاً عندما عاد رشيد و محمد إلى البيت, بعد أن أمضيا بقية النهار في قسم الشرطة.
محمد جلس على الأريكة و لم يملك الجرأة لإرسال أبيه إلى الغرفة. هو أيضا ألقى بنفسه على الكنبة و غطّ في النوم خلال ثوان قليلة.
المُنبّه أيقظه من أحلام تغصّ بمعارك دموية ضد جيش من مفكات البراغي و حُرّاسُ أمنٍ. فتح عينيه بارتياح تقريباً.
أول شيء رآه كان الباب الرئيسي, و أمامه بالضبط, رأى أباه. سمع صوت خطوات قادمة من الممر و المقبض يدار. دخل أبيه مرتدياً ثيابه.
- صباح الخير يا بني
رشيد حاول أن يتكلم, ولكن شيئاً ما في تصرّف أبيه جعله ينتظر, يتراجع.
محمد جلس على الأريكة, بجانبه, ووضع يده على ركبته. ثم بدأ ينظر إلى الهوائي المُلقى على الأرض أمامهم. بقيا هكذا لبضع دقائق. ثم محمد تنحنح.
- أنا عائد إلى البيت يا بني.
و عادا ينظران إلى الهوائي بينما يد رشيد تستند على يد أبيه, ممسكة إياها بقوة.

صابرينا مانكا من مواليد كالياري 1970. في عام 1977 حصلت على ماجستير في الكيمياء و التكنولوجيا الصيدلانية لدى جامعة ساساري, و أدارت صيدلية العائلة لبضع سنوات. في عام 2002 بدأت تكتب كصحفية, فوق كل شيء مقالات نقدية حول كتب, أفلام و فعاليات ثقافية, لمجلات متفرقة, و ارتادت فيما بعد دورة في الصحافة التلفزيونية حيث سمح لها ذلك بالعمل في قناة تلفزيونية محلية. في هذه الأثناء, تابعت الكتابة بفضل دورة في الكتابة الإبداعية أيضاً نظمتها مجلة "قصص" التي نشرت لها بعضاً من أعمالها. بعد إقامة لمدة سنة في انكلترا, تعيش و تعمل الآن في باريس.

ترجمة: يوسف وقاص

Home | Archivio | Cerca

Internazionale

 

Archivio

Anno 6, Numero 27
March 2010

 

 

©2003-2014 El-Ghibli.org
Chi siamo | Contatti | Archivio | Notizie | Links