المشهد مفتوحاً. هذا الاستعراض الذي نظن بأننا قمنا بتنظيمه أصبح يتجاوز نفسه بطريقة غير متوقعة أبداً. يسيل مثل ماء النهر, لكي يؤطر خصالنا النبيلة كنجوم, لعبة ماء, يمكننا تسميتها.
ولكن كيف وصلنا إلى هنا؟
"بيتر, هل شاهدت الأخبار؟", تستفسر أودري.
نجم يشاهد التلفزيون في قفصه الذهبي؟ هل توجد هوائيات على جبل الأوليمبوس؟ نعم, هو يشاهد التلفزيون كأي شخص آخر.
"نعم".
"هل سمعت ماذا حدث في براغ؟".
"آه, نعم, كان الخبر الثالث. يا للمساكين".
فيضان مخيف كان قد طمر مدينة براغ بالوحل. مئات من الأموات, آلاف من المشردين, يأس لا حدود له.
"فلنساعدهم. فلنعمل شيئاً ما من أجلهم", قالت أودري.
"مثل ماذا؟", تلك تملك دائماً فكرة خيرية ما. أتصنع مسايرتها.
"حفلة عالمية ضخمة و مباشرة. من براغ".
"مثل ماذا؟", رددت أنا. ماذا نعرف أن نفعل نحن حيث لا يمكننا الحصول على اللقطة النهائية قبل إعادتها ثلاث مرات ؟ ما دخلنا نحن بمكان أصابه الدمار حيث لا يمكننا أن نعدّل في الخلفية المطلية؟ بالنسبة لي, الأمر لا يعنيني بشيء, ولكن واحدة مثلها تعتقد بأنها ستذهب دون أن تحس بالحاجة الملحة للماكيير؟
"أنها مأساة . لشكسبير. لسوفوكل. لهاملت, أوديب الملك. هنالك نساء يقمن بدور البطولة, أليس كذلك؟".
"لا أذكر. أتقولين بأن نذهب إلى هناك؟ عذراً, ولكن متى؟ عندما ينتهون من كل شيء, أليس كذلك؟".
"حالاً. لكي نرفع من معنوياتهم. حالما سيروننا سيشعرون بحال أفضل, سترى".
"و البروفات؟".
"سنأخذ معنا نصوص المشاهد لكي نقرأها. لا يوجد وقت لكي نفكر بالأمر كثيراً. إنه شيء عفوي, حيوي".
"لا أعرف, ألا نستطيع أن نجمع لهم التبرعات هنا؟".
"بيتر, أنت حتماً لا تريد أن تفهم. لقد جمعنا التبرعات من أجل أطفال أفغانستان منذ عامين. لا نستطيع أن نفعل نفس الشيء دائماً كل عامين. فلنفعل شيئاً مختلفاً".
لا أعرف كيف أقنعت نفسي. ربما بسبب الكرة ذات اللونين الأصفر و الأسود التي كانت تطفو أثناء نشرة الساعة العاشرة ليلاً. ولكن أين انتهى الطفل؟ هذه السؤال الذي لا يمكن الإجابة عليه أقنعني. نعم, يجب الذهاب إلى هناك و إقامة الحفلة. اتصلت بوكيلي لأسأله كم يبلغ عمر أوديب في أوديب الملك. لم يكن عجوزاً خرفاً, على ما نعتقد. استثنيت مسبقاً هاملت لأنه يذكرني بالمرة الأولى التي جوبهت فيها بالصفير. و كانت المرة الأخيرة, ثم وصل النجاح. ولكنني متطير, هذا هو السبب.
"ولكن أوديب يتزوج من أمه", قال الآخر.
"آه", قلت أنا بلا وعي. هذا سوف لن يروق لأودري, ليس بسبب مسألة الزواج, بل بسبب سن البطلة الأنثى. أُمُّ ملك في الأربعين من العمر (عمري بالضبط) لا يمكن أن تكون صبية. أوديب كان يحب النساء المسنات. ولكن إذا كانت أودري تهتم كثيراً بترتيب الأعمال الخيرية, يجب أن تقوم بتضحية شديدة, أليس كذلك؟".
" أصغي, يا ستان, فلنعمل ذلك و كفى. نظم الأمور و استدعي الصحفيين. إذا كنا نريد أن نجمع تبرعات ضخمة, يجب أن نقوم بجهد كبير".
"متى ستسافرون إلى براغ؟".
"حالما ينتهون من تنظيف تلك القذارة", لفتّ انتباه أودري.
"لقد تكلمت مع وكيلنا. كل شيء على ما يرام و سنسافر في أقرب فرصة ممكنة". يجب أن أروي لها شيئاً عن الأم:"آه, هل كنت على دراية بزوجة أوديب, التي أعتقد بأنك ستقومين بدورها, أليس كذلك؟".
"إذا كنت تريد أن تقول لي بأنها أمه, كنت أعرف ذلك من قبل. سأقوم بالدور في كل الأحوال, لأنه من أجل عمل خيري".
في اليوم التالي, ستان بعث لي بالنص مع الساعي. أقرأه. نص في منتهى الكمال. أوديب يبدو و كأنه يكبرني سناً. لا يهم, طالما أن الأمر يتعلق بعمل خيري. لم أكن قد إنتهيت بعد عندما أمطروني بالمكالمات الهاتفية. الخبر كان قد انتشر. جميعنا كنا نريد أن نشترك بطريقة ما. اتصلت بأودري:
"نعم, ولكن هذه المأساة تحتوي على أربعة ممثلين مصلوبين. لا أريد الآن بسبب أولئك الذين استيقظوا في اللحظة الأخيرة أن نجد أدواراً أولى. لماذا لم تخطر لهم الفكرة؟".
الممثلون الآخرون اخترناهم من بين أصدقائنا و تواعدنا لكي نلتقي في بيتي في اليوم التالي.
ولكن الموعد لم يتم لأننا كلنا مشغولين. مشغولين جداً. في هذه الأثناء, كان الوحل يختفي من شوارع براغ و موعد سفرنا كان يقترب. بلا بروفات. بلا ألبسة مسرح.
"حسناً, شيء من هذا القبيل يأتي بنتيجة أفضل إذا كان مرتجلاً. مسرح الحياة, هذا ما نريد أن نحققه. مسرح جيد", قالت أودري.
عندئذ لا أفعل شيئاً و أسافر و أنا مشوش الأفكار. ستان كان قد نظّم كل شيء.
"الوحل؟".
"تم تنظيفه كله. الساحات في منتهى النظافة, الأبنية برّاقة. فلنذهب".
المحيط. أوربا. شرق أوربا. لم أعد أتعرّف على ضوء براغ الخافت. الهواء أكثر قتامة, كما لو أن شيئاً ما لوّثه. ربما هذا يعكس انطباعي أنا فقط, و ربما يشكل بداية الخريف. المرة الأخيرة التي كنت فيها هنا كانت في شهر أيار.
"بيتر, لقد وصلنا إلى الفندق", قالت أودري.
التاكسي متوقف و أنا كنت مأخوذاً في النظر إلى ما حدث.. حفر عميقة موجودة بكثرة في الإسفلت كفوهات البراكين, بيوت مهدمة مثل المحلات, عيون فارغة بلا فترينات.
أهذا هو مركز المدينة, المنطقة التي حاولوا أن يوضبوها, رغم معرفتهم بأننا قادمون. حسن, ربما ليس بسبب قدومنا فحسب, ولكن ذلك كان له تأثير ما. فندق رائع, الصالة مجهزة بأيد خبيرة كموقع تصوير فيلم. هذا أيضاً من أجلنا. أقوياء مثل الذين نزلوا لتوهم من سماء ملبدة. لهذا السبب هبطنا, في حال العكس لكنا بقينا فوق جبل أوليمبوس. غرفتي عبارة عن جناح يقع في الطابق الأخير. يمكن مشاهدة الكاتدرائية من نافذتي. أعتقد بأنها هي, لأنني أسافر دائماً كمعتوه. أذهب إلى آلاف الأماكن و أنظر فقط إلى غرف الفندق و الحجرات. لا أستطيع أن أتجول في الأرجاء, و إلا سيتعرفون علي. الشيء المزعج في حياة الآلهة هو طقوس العبادة التي يتلقونها.
"هل سنلتقي في غرفتي الليلة من أجل البروفات؟ توم و مات سيأتيان أيضاً". أودري ليست من الصنف الذي يحجم عن هدفه.
"أنا تعب, ولكن أنت محقة. يجب أن نجرّب على الأقل مرة واحدة, هذا موضوع لا جدال فيه".
نأمل بحق في أن لا تمطر بعد, بالأخص بعد يوم غد.
"في الثامنة, إلى اللقاء يا عزيزي".
"إلى اللقاء فيما بعد".
أتناول صندويشاً أمام التلفزيون الذي يبث عبر الكابل و أفتح علبة من عصير البرتقال. يعرضون فيلم " مرآة الحياة" لتينا تيرنر الذي أعتبره مرجعاً طقوسياًً مطلقا. إنها قصة ممثلة المسرح هذه, قصة خادمتها و قصة بناتهما, حيث واحدة تشعر بأنها غير مرغوبة و الأخرى, بما أنها تملك بشرة بيضاء, لا تقبل بأن تكون خمسون بالمائة سوداء فقط. لانا تيرنر تتخلى عن كل شيء من أجل مستقبلها المهني, تصبح غنية و شهيرة, ولكنها تندم فيما بعد.
لماذا الندم؟ إن أي امرئ يستطيع الحصول على الخبز و عصير البرتقال أينما كان, حتى كغني و شهير. بينما البقية لا, مثلاً الطرق التي تمّ إصلاحها بمناسبة قدومك. خبز و عصير برتقال في فندق راق جداً. هذا هو الشيء الذي لا يجعلك تندم أبداً.
حان الوقت للذهاب لعند أودري. كانت تلبس بذة رياضة و قد جهزت أربع ملاءات. أعتقد أنها بهذه الطريقة سنبدو أكثر شبهاً بالإغريقيين. إنما كنا نبدو كالبلهاء فحسب.مات فتح زجاجة شمبانيا, جرعناها و نحن نضحك. ثم فتح زجاجة أخرى, فجرعناها و نحن نمثل. أشياء أخرى حيث لا تجعلك تندم أبداً.
"يا إلهي, أوديب هذا كان لا يملك شيئاً آخراً ما عدا البحث عن المصائب,", قال توم. هو محق فعلاً. "ولكن حتى هذا ليس ذنبه. قتل أباه دون أن يعلم, أمه تزوجته دون أن يعلم, الحقيقة يكتشفها دون أن يعلم".
أبي. إنه واحد كان يجب علي أن أقتله, لو لم يقرر أن ينهي حياته بنفسه. أمي تزوجتها في الوقت المناسب فقط كطفل, لأنها ماتت عندما كنت في السادسة من العمر. الحقيقة؟ في الحقيقة, هذا موضوع لا أهمية له فيما لو أردنا.
"أتريد بعد قليلاً من الشمبانيا؟"
شمبانيا للعمالقة. "نعم, شكراً". كان يشربه أبي أيضاً. لا أملك ماضياً بائساً, أب صعلوك فحسب.
أوديب في النهاية يطمس عينيه بابزيم حزام أمه, نفس الحزام الذي استخدمته لتشنق نفسها. أنا أتصنع طمس عيني بمغرفة الثلج و أشرب فوقه جرعة من الشمبانيا. الملاءة تسقط و أنا أجرها ورائي على الطراز الإمبراطوري.
"رائعة هذه الحكاية", قال مات. "و أنت كنت رائعاً".
"مدهش", علّق توم.
"كان الأمر يستدعي هذا الجهد, أليس كذلك؟", ابتسمت أودري, "أنت عظيم".
مجاملات بين الممثلين. صريحين دائماً, مقتنعين دائماً. كلنا أناس طيبون, أليس كذلك؟ أناس لا مثيل لهم. أنا سعيد بأوديبي حتماً, يجب أن نقرأ الأدوار, ولكن لا بأس. ثم أيفهم هؤلاء الناس الانكليزية؟
"تصبحون على خير يا فتيان, إلى الغد".
غداً سأقوم بجولة متنكراً. أعشق التجول متنكراً, لأنني في منتهى الشهرة و عندما يتعرف علي أحد ما يشعر و كأنه شاهد حلماً. عندما أضع علامة استفهام على هويتي أشعر بغبطة كبيرة, رغم أن الموضوع تافه بحدّ ذاته. سأذهب لأرى تلك الكنيسة التي تُشاهد من نافذة غرفتي.
و يوم بعد غد سنصعد على خشبة المسرح بأبهة كبيرة. كلهم مدعوون. حفلة مجانية للفقراء. لأن المصاريف يمكن تغطيتها عن طريق حقوق البث التلفزيوني و تبرعات بطاقات الائتمان. بث هذه المسرحية الإغريقية المترجمة إلى الانكليزية سيكون على مستوى عالمي. و سيكتبون بأحرف كبيرة بأننا لا نكسب شيئاً. بأحرف كبيرة لأن ستان سوف لن يدع هذه الفرصة تفوته دون أن يتوقف عندها. أحرف كبيرة بارزة. البائسون سيشعرون بالسعادة لعناية الآلهة بهم, والآلهة هم نحن, كل شيء سينتهي بالمجد. لماذا نحن نملك غيرة الإيثار بهذا الشكل؟ كنت غبياً لأنني أتيت إلى هنا لأقوم بهذا العمل. كان يجب أن أبقى في هوليوود و أتبرع شيئاً لحساب هؤلاء المتضررين. أنا في قمة مسيرتي المهنية. لأي سبب كان علي أن أظهر نفسي؟ لقد فزت لتوي بجائزة الأوسكار, ماذا أريد أكثر من ذلك؟ جائزة نوبل للسلام؟ أكره التمثيل على الهواء المباشر, رغم أنني اشتغلت في المسرح لسنوات. التدرج أمر محتوم. عندما تخطيء لا يمكن إصلاح الخطأ, ولكن في تلك المناسبة الجميع سيسامحونني, أعرف ذلك مسبقاً. سيحبونني لأنني غامرت.
تصبحون على خير.
في الصباح التالي سأذهب إلى الكنيسة و أتمشى. سأتعمّد أن يعرفني الجميع لأن هذا يروق لي. سيسألونني عن أودري. كلا, بالعكس, هي لا تحب أن تعرّف عن نفسها كما أفعل أنا. إنها محافظة أكثر مني, و ربما تخشى بأن تكون أقل جمالاً و هي بلحمها و عظمها. توم و مات يقومون بزيارات خاصة للأغنياء و المشاهير المحليين. كل واحد يملك عيوبه الصغيرة, تحت هذه السماء ذات النجوم اللا متناهية.
أعود إلى الغرفة نزقاً بعض الشيء. كنت أفكر بأن عدداً أكبر من الناس لكانوا استوقفوني, لكانوا تجرأوا على لمس ذراعي. ربما السينما الأمريكية ليست مستساغة كثيراً هنا. كلا, هذا مستحيل. يبدو أنهم أكثر خجلاً, يبدو أنهم كانوا لا يصدقون أعينهم عندما لمحوني بالشارع.
ماذا يهمني من هذا المكان المغمور, و فيما يتعلق بالرجال, سنذكره نحن فقط, لغاية يوم غد.ثم كل العيون ستكون مصوبة نحو هذا المكان الغارق في الفوضى قليلاً و المصاب بتشوهات مخيفة.
آخر بروفة غير رسمية, هذه المرة من قبلي.
"أشياء قليلة, كما يوم أمس, أليس كذلك؟"., أسأل أودري, التي تصل قبل الآخرين. "أقل من ذلك, لأن توم و مات غير موجودين".
"لماذا لم يحضروا؟".
"مشاغل أخرى. لم يأخذوا الأمور على محمل الجدّ".
"اللعنة, أنا فزت بجائزة الأوسكار و أنا موجود هنا, بينما هم يسمحون لأنفسهم حتى بالتغيب عن البروفات؟ أتعتقدين بأنهم على الأقل سيشاركون في العرض؟".
"قالوا بأنهم سيكونون غداً على الخشبة قبلنا. في النهاية, سنمثل و النص بأيدينا".
"أحقاً سيأتون يوم غد؟ يا للشرف الكبير!", بدأ يساورني الشك, فوق كل شيء لأنهم تمكنوا من تنظيم أمسية ساهرة أفضل من تلك التي قضيتها أنا. بقينا أنا و أودري نعيد أدوارنا و أدوارهم لغاية ساعة متأخرة من الليل, في حال العكس كان سيبدو و كأننا نقدم عرضاً للجدار, إذا كان الطرف الآخر من الحوار ليس موجوداً أصلاً.
إلى الجحيم, نحن في منتهى الجدية و لا يخطر حتى ببالي فتح زجاجة شمبانيا. اللحظة الوحيدة التي شعرنا فيها بالرهبة حدثت عندما اتصلنا بهارفي و هو لم يكن موجوداً في البيت. الهاتف الجوال كان مغلقاً.
"إلى أين ذهب ذاك في الساعة العاشرة و هو الرابعة عشر من العمر؟".
حتى جدته لم تكن موجودة. إلى أين ذهب ذاك في الساعة العاشرة و هو الرابعة عشر من العمر؟". بعد خمس دقائق من القلق, تذكرنا فارق التوقيت. إنه في المدرسة, في الصباح. و جدّته تعرف كيف تدبر شؤونها, هذا أمر مفروغ منه.
هارفي هو ابننا منذ أن كنا متزوجين أنا و أودري. كنت أريد أن أجلبه هو أيضاً, ولكن أودري قالت فيما بعد انه يضيع أياما كثيرة من المدرسة و أنه لا يجب علينا أن نجعله يحس بأنه مختلف بجلبه إلى هنا و هناك مثل دمية. باعتقادي كان سيشعر بالغبطة. بينما هي عندما لا ترتدي مجوهراتها و حليّها تشعر دائماً و كأنها تلك الريفية التي كانت و تريد بأن ابننا لا يجب يشعر بالغرور. بالنسبة لي كانت فكرة جلبه إلى أوربا تبدو جيدة فقط. ولكن هي كانت لا تشعر بذلك. لهذا السبب كنت لا اشعر بالرغبة في فتح زجاجة شمبانيا.
إنها أكثر إمرأة مرغوبة في العالم و أنا كنت لا أرى الساعة لكي تذهب إلى غرفتها. أتذرع بأوديب و هارفي. هل يمكن لجمال أمه و نجاحها أن يفسد العلاقة بينهما؟ ربما هو يريد أن يقتلني و يأخذ مكاني في حياتها. ولكن أي مكان؟ لا يوجد أي مكان في حياة أودري و اعتقد بأنه هو أيضا فهم ذلك. نحن اثنان تائهان بلا جوكاستا, بلا ام و لا أخت و لا عشيقة. هو يعيش معي و بسبب غيابنا في هذه الأيام ذهب ليعيش لدى أم أودري. أم سيئة, جدّة مقبولة.
ها هو الآن يخرج من المدرسة. "مرحبا, كو".
"بابا, كيف حالك؟ عرفت بأنكم بحثتم عني قبلاً. كيف حال أمي؟".
"نعم, لقد خدعنا الفارق في التوقيت. ماما رائعة, كما هي دائماً".
"و هناك, كيف يعيش أولئك المساكين الذي تضرروا من الطوفان؟".
"كو" ليس مثلنا. هو يشعر حقاً بالأسى من أجل أولئك الذي يتعرضون للمصائب. ربما بسبب السن.
"كل شيء عاد كما هو. هنا كل شيء على ما يرام". كذبت. في الحقيقة, لم استعلم عن الوضع, ولكن ما يهمني مثل أوديب لغاية ما أمثل دوره فحسب. ربما كان يجب علي فعله, على كل حال سأسافر في غضون يومين.
"متى سترجع؟".
هذا هو سؤاله المفضل. لا أعرف فيما إذا كان مفضلاً, ولكنه السؤال الذي ردده أكثر من أي سؤال آخر في حياته, يا للمسكين.
"يوم الثلاثاء. ماذا تود أن أجلب لك؟".
في الماضي كنت أجلب له دمية, ولكنه الآن قد كبر و لا أعرف فيما إذا كان ذلك يروقه. "لا شيء, لا يلزمني أي شيء".
أنا لا استحق هذا الابن, حتى أودري لا تستحقه. إنها تشتري له كمية كمية كبيرة من الألبسة ذات الماركات المعروفة حيث يرتديها فقط عندما يذهب لزيارتها و هي تأخذه إلى أغرب الأماكن بالنسبة لفتى يبلغ الرابعة عشر من العمر. كلا, هو لن يتعرض لخطر الوقوع في حب أمه, إمرأة كاملة, ولكن في بعدين فقط. "بلّغ تحياتي إلى أمي. لا أتصل بها لكي لا أزعجها".
هو يعرف طباعها. ."إلى اللقاء يا بني"
أشعل التلفزيون لكي أرى فيما إذا كانوا يتكلمون عن العرض. لا أفهم كلمة واحدة, ولكن استطيع أن أتعرف على وجهي حتى في لغات أخرى. آه, ها نحن. من إنفعال المذيع أفهم بأن هذا العرض هو بمثابة حدث لكل البلد. إذن لم نأت إلى هنا عبثاً. كنت أعرف ذلك, بأن الأمور ستجري على هذا النحو. ربما بعد غد سأتعرف على عدد أكبر من الناس. للأسف سأسافر بعد غد. سأعود مع هارفي الصيف القادم.
أطفئ التلفاز و أخلد إلى النوم. غداً هو اليوم الحاسم. يوم مثل غيره من الأيام الحاسمة الكثيرة من حياتي و ربما أقل حضوراً من الأيام الأخرى. ولكنني اقوم بعمل خيري و هذا يساوي دائماً مئة ألف نقطة زائدة في التقييم النجومي.
تصبح على خير يا "كو".
أستيقظ و يبدو لي بأن الوقت لا زال ليلاً. يخطر على بالي بالضبط بيت من الشعر رددته يوم أمس. "آه أيتها الغيمة الداكنة التي تثقل كاهلي بشكل لا يصدق, لا يمكن السيطرة عليها و جالبة المصائب". غريب, أعرف غيباً ملاحظة طقسية لأوديب الملك. علاقته بعيدة جداً بالطقس, ولكنها ملائمة كثيراً لهذه السماء.
"ايكون من المجدي تأجيل كل شيء؟", أسال أودري. لا غبار على النية الطيبة, ولكن الأمور هنا تسير نحو الأسوأ.
"أنا أيضاً أفكر بنفس الشيء", ردت هي. ولكن آلة العرض كانت قد انطلقت و الصحفيين كانوا قد وصلوا. لا نستطيع أن نبدو كجبناء نحن بالضبط و في هذه اللحظة بالضبط. يجب المضي قُدُماً, مهما كلّف الثمن. إنها تمطر قليلاً, ولكن ليس بشدة. لحسن الحظ تظهر الشمس جزئياً عند منتصف النهار, حيث تكتمل بعد ساعة. في الساعة الثانية ننزل لتناول طعام الغذاء مع الصحفيين و المسؤولين. نضطر للمشاركة في المؤتمر الصحفي الذي يلي طعام الغذاء. أودري و مات يشرحان للحاضرين بأننا ممثلون و أننا نحن من سيقدم العرض. كان حتماً من الضروري شرح وضعنا. أعود إلى الغرفة, أتحمم, يحل المساء. لا أفكر حتى بأنه يجب علينا إجراء بروفات أخرى, لأننا ذوو خبرة طويلة و محنكين. يتصل بي هارفي ليتمنى لي النجاح. "يعرف فوارق التوقيت أفضل مني, هذا أمر حتمي. أعانقك يا حياتي". يبدو و كأنني أقول وداعاً إلى الأبد. "أنظر يا أبي, سنرى بعضنا خلال يومين. إلى اللقاء يا عزيزي". أوديب الملك أصابني بالعدوى و أنا اصطنع مأساة من اللا شيء. توجد ريح على الشرفة, سواء بسبب مراوح طائرة الهيليكوبتر سواء بسبب تلك الكتلة من الغيوم التي تبدو و كأنها تفتتت في البعيد. نصل إلى الساحة التي كانت تغص بالناس خلال دقائق قليلة,. ننزل من الأعلى, مثل الآلهة في المآسي الإغريقية.
الكواليس. ينتظرنا الماكياج. شيء قليل, مثل الملابس التي هي قليلة أيضاً, جلاليب بيضاء بسيطة مع عباءات بلون الحبال. عباءتي حمراء. "لماذا لا نخرج في البداية بلباسنا هذا الذي نرتديه الآن, ثم نضع العباءة و فقط في النهاية الجلباب؟", يقترح توم.
"فكرة جيدة", أقول فوراً. فكرة تروق لي. تعطي الانطباع عن استعراض بالوحوش. ثم, إن أفضل الأفكار تخطر ببالنا دائماً في اللحظة الأخيرة.
نظيفين, أنيقين و ووجوهنا تعرضت لعمليات التجميل. ها نحن. شخص ما يوزع الأوراق المدونة عليها بخط جميل وواضح أدوارنا. لقد تعلمته تقريباً, سوف لن استرق النظر إلى الصفحة كثيراً.
المشهد عبارة عن خلفية بيضاء مع بعض الأعمدة, باب أحمر كبير في الوسط, بابان زرقاويين جانبيين و كرسيي خشب لويكانز حيث سنستخدمهما بمثابة عرش أنا و جوكاستا. الأضواء جميلة أيضاً, الليل جميل أيضاً, لحسن الحظ. في نقاط كثيرة من الساحة و من المدينة تم وضع شاشات ضخمة لكي يتمكن الكل من مشاهدتنا. هذا أقل ما يمكن فعله, بهذه الطريقة سأتخيل بأننا نمثل في السينما و عندئذ ربما سيتلاشى هذا الخوف من خشبة المسرح. هاملت, بالتيمور, قبل ستة عشر سنة خلت. الخوف يسيطر على الجميع, الآن و نحن ننتظر الخروج هنا في الخلف.
"سوف لن أتمكن من الخروج" – قالت أودري – "أنا سأهرب".
ولكن كما نعرف جميعاً هي أقل خوفاً منا.
توم كان لونه قد امتقع, بعد قليل سيحين دوره.
حسن, يجب أن أخرج. أنا ذاهب, أنا ذاهب, أنا ذاهب. الآن أنا ذاهب, ذاهب, ذاهب, ذاهب.
"آه يا أبناء قدموس القديمة, ماذا تفعلون جالسين مزينين بالأغصان كالمتضرعين؟ المدينة تعبق بدخان البخور, بالأناشيد و النواح".
كم هو حقيقي ما أقوله. كم هو مطابق لما اراه, لهؤلاء الناس الذين ينتحبون و القادمين إلى هنا ليصغوا إلي, حيث في نهاية الأمر أنا ألقي شعراً.
"لن أكون رجلاً, إذا لم اشعر بالرأفة تجاهكم".
و أشعر بذلك, برأفة كاملة, بالشفقة تجاه هؤلاء المساكين. أنا ملك, أليس كذلك؟ أعيش في بقعة بعيدة و سعيدة, بعيداً عنهم, بعيداً عن بيوتهم المغمورة بالمياه. أمثل دوري و هم يحبونني. أنا فقط أكثر حظاً من أوديب, لأنني أعرف من أكون. يا لأوديب المسكين, يا للاكتشاف السيء في هذه السماء الملبدة المليئة بالبَرْقْ. المطر يهطل من جديد.
ها هو توم يقوم بدور الكاهن, ثم ماتْ الذي يقوم بدور تيريسيا, العرّاف الكفيف. ثم يعود توم بشخصية كريونتي, صهري و عمي.
نتكلم تحت مظلتنا الواقية بالعباءة التي ارتديناها منذ قليل. و لحسن الحظ, الجو يميل الآن للبرودة. الجمهور بلا مظلة مبلل من الرأس إلى القدمين, ولكنه يبقى مسمّراً على المقاعد. الرسول و الرسول الآخر, دائماً ماتْ و توم, يكشفون ميلادي بينما جوكاستا, التي تعرف الآن كل شيء, لا ترغب, حبيبة أمها, أن أفهم ماذا فعلت.
"أيها البائس, أنت لا تعرف أبداً من أنت!".
أنا محظوظ, إليك من أنا, لأن النهر بدأ يغمر الساحة و هم هنالك مغمورين حتى الرُكَبْ في بث مباشر يغطي العالم, لأننا قررنا, ببادرة طيبة, أن لا نوقف العرض.
المطر يزداد سوية مع النهر و هو يندفع الآن نحو أرتال المقاعد و البيوت مجدداً. الجمهور يبقى هنالك حتى و لو أنه يعرف أنه في هذه اللحظة بصدد أن يفقد كل شيء. بيته, حيث ليس قصري, جاكوستا, التي ليست سوى أمهم العجوز. ماذا يجعلهم يبقون هنالك على المقاعد؟ ألا يرون الحقيقة, ساهين من الخيال. إنهم بحاجة لإذننا الإلهي لكي يفروا و هم يصرخون, لكي يركضوا إلى البيت,.
أنظر إلى كل هذا من بعيد, رغم أنه هنا أمام عيني. أنا أيضاً مأخوذ من الزيف. و زملائي من الآلهة مثلي. أنا أيضاً لا أعرف من هم, مثل أوديب.
أبتعد عن المنصة و لا أعد اسمع جمل الآخرين, لغاية ما يتبعونني هم. هذيان في الساحة, هذيان في داخلي. براغ أصبحت "طيبة" مدينتي, "طيبة". هذا الغوص في الوحل هو عقوبتي لأنني أغلقت نفسي في قفص من الترف. أجثو على ركبتي و الوحل في حلقي. أتمنى أن هارفي يشاهدني.
المطر يزداد حدة, مستوى الوحل يرتفع. ذهبت إلى عمق الزحام و رجعت. أنتهيت و خارت قواي من هذا المطر و من أوديب.
"هنالك حيث لا يؤثر السعادة إنسان, قبل أن يقضي مسيرة الحياة دون أن يعاني من أي ألم".
دوي و صخب تصفيق. تصفيق و رضى الجمهور, رغم كل شيء. ينهضون من ذلك الوحل الذي يغمرهم حتى الرُكب و رجال الإطفاء كانوا قد اصطفوا – قليلين جداً – في الأرجاء ليساعدوا في خروج الناس. إذا كانوا يصدقون, فذاك أمر جيد لهم. نحن تنتظرنا طائرة هليكوبتر عسكرية, و حولها حزام من الشرطة – كثيرين. لا يوجد وقت لتغيير ملابسنا. نصعد بقفزة. نحن أناس مدربين في أقسام النوادي و التدليك. قفزة لكي نعود من حيث أتينا, في سماء ذات غيوم شاحبة.
"ولكن أليس من الخطر الطيران في هذا الطقس السيء؟", يسأل ماتْ.
"اقل خطورة من الركض هناك في الأسفل", توم يشير نحو الأسفل.
"أنا منهكة القوى", , تقول أودري.
"محطّم", أردّ و أنا أخفض النظر. هكذا وصلنا إلى هنا, بنوايانا الطيبة. و انظروا كيف نعود, محلقين.
موجة مرعبة جديدة من الوحل. أناس يهربون في كل الجهات بدون موسيقى تصويرية, مع استغاثات قليلة و ضجيج قليل.
"هنالك حيث لا يؤثر السعادة إنسان, قبل أن يقضي مسيرة الحياة دون أن يعاني من أي ألم". لا اشعر بالسعادة حتى أنا الذاهب نحو المجد. يخبروننا بأننا نطير نحو فندق خارج المدينة. بعض الهزات العنيفة, شعور بالرعب مرة أو مرتين, أكثر من أي شيء بسبب البرد, بسبب ثيابنا المبللة.
"و أشياؤنا؟", يسأل توم.
صحيح, كيف يمكنني تغيير ملابسي؟
"لا تقلق, لقد سمحنا لأنفسنا بنقل حقائبكم إلى الجناح الجديد".
رائع. أرغب في البقاء عالياً. لا أريد العودة إلى الطابق الأرضي من هذه الأرض. لا يخلو الماء الساخن في الغرفة.. لا أريد أن أشعل جهاز التلفزيون و أخمّن ماذا يقولون في لغات غريبة. الجهل عذر بائس, ولكنني أجنبي و نجم و بعد هذا القول أغمر نفسي في الحوض.
يتصل بي ماتْ: "هل شاهدت نفسك في التلفزيون و أنت تشقُ الوحل جاثياً مثل قديس؟ لقد تحولت إلى أسطورة, هل تعي ذلك؟إنها مأساة تُنقل بالبث المباشر على مستوى العالم و تجعل الجميع يتأثرون".
"بحق؟".
"سترى بأن المساعدات ستصل بسرعة. لقد كان لنا دور في ذلك".
دورنا. عندئذ أشعل التلفزيون, ولكن توم يتصل بي: "هل رأيت؟".
"كلا. رواه لي مات".
"إن ما قمنا به لا يصدق. كنت أريد أن أرويه لأودري, ولكنها فَصَلتْ الهاتف لأنها متعبة. لقد كان عملاً متعباً".
"بحق؟".
عمل متعب. في المشهد المفتوح إختفينا داخل غيمة سوداء. نزولنا بين البشر إنتهى. عمل متعب. تمضي الليلة الأخيرة و المطر يهطل بغزارة في كل دقيقة.
و الآن نفس هليكوبتر يوم أمس تنقلنا إلى المطار و فوق الغيوم السوداء, حيث أشاهد ابني وراءها.
نرجع إلى بيوتنا بثياب جافة, مشكلتنا الوحيدة الآن هي كيف نخلد إلى النوم.
ترجمة: يوسف وقاص