- كان يتدفق من الصخرة لوناً بنفسجياً, ثم فجأة تحول إلى أزرق خفيف حيث حطّ فوقه عندليب شادٍ: تقريباً كان هذا ما تقوله كلارا و هو كان يصغي إليها مأخوذاً.
كان الثاني عشر من آب 1905, يوم صيفي جميل, و كانا جالسين على مرج أخضر, هي كانت ترتدي الثوب الأكثر بياضاً من أثوابها الناصعة و هو كان يفكر: صخرة, اللون البنفسجي, ثوب ناصع البياض, فتاة شابة, شيء من الحياء و سعادة مخيفة و في مثل هذا الحجم.
ماذا يغني العندليب يا أندرياس, سألت بغتة, هل تصغي إلى ذاك العندليب الشادي, هل تسمعه؟ و بما أنه كان لا يجيب, تابعت هي: العندليب يغني. ولكن هذا لا يعنينا! إنه لا يغني لنا, حقاً – و ليس لك أيضاً: أنت لست سوى جبان, يجب أن تعرف ذلك يا أندرياس! مثلاً: ماذا ترى, عندما تنظر حولك؟ ماذا ترى؟ الصيف ربما؟
الصيف! لا تضحكيني! بدأت أملّ منك, كلّميني, من فضلك, ألم يتركوننا لوحدنا لكي نتكلم وجهاً لوجه؟ لكي تتمكني من مصارحتي؟ إذن هيا! صارحيني! كلي آذان صاغية, أصغي إلى ما ستقوله –
كان الأطفال يمارسون ألعابهم البريئة على المرج, و الطفلات بثيابهن الفاتحة الجميلة كن يتدربن, بما أنه كان محظوراً عليهن نزع أرجل الحشرات الطائرة أو نفخ الضفادع, في تلك المشاغبات الناعمة التي تمنح الحياة طعمها الغامض و جاذبيتها الجارفة تجاه الأعماق. كانوا يمارسون لعبة مدام دوريه و الطفلات البدينات كن يتزوجن دائماً قبل الأخريات و من تلك اللحظة كان عليهن البقاء جاثيات على العشب, الرأس محني و صامتات كالفئران. بالنسبة لهن كانت اللعبة قد انتهت بسرعة, مع ذلك لا أحد منهن كانت تتمرد مطلقاً. كن يتحملن بلا مبالاة تقريباً السخرية و العزلة, كن يعرقن في ثيابهن و ألبستهن الداخلية دون أن تبدر عنهن أية شكوى.
ربما تعلمن ذلك من أمهاتهن اللواتي, أثناء ذلك, تحت مظلة كبيرة بخطوط بيض و زرق, كن يتحولن إلى عصبيات, الواحدة تلو الأخرى.
يا للجو الحار!
كان بحق لا يطاق!
بين فترة و أخرى كان يغمى على إحداهن و من ثم كانت تعود إلى رشدها عن طريق أملاح معينة. كان أمراً طبيعياً. كان أمراً مؤقتاً. أثناء النزهة في البرية, كما يعرف, الأمور لا تسير كلها على ما يرام, من جهة أخرى كان يمكن السهو قليلاً, غارقات في الأقاويل الأخيرة, و بالتالي في نهاية الأمر كان الموضوع يساوي تلك المشقة. سخافات و ترهات.
بينما النسوة كن يشرن إلى الأطياف اللا متناهية للحب الحقيقي و الحب المزيف, الرجال المسنين كانوا يصمتون أو يتكلمون في السياسة. لحسن حظهم كانوا في أواخر أيام حياتهم! ولكن بين الفتيان و الفتيات و بين النسوة في الأربعينيات اللواتي لم يحالفهن الحظ بزواج كما يتمنين و بلا عشاق, الحياة التي لا زلن في أولها, كانت تواجه بأشواك و صدمات, يترعون من كأسها كما يجب!
نذكر بأنها كانت ظهيرة مشرقة من شهر آب, و الفتاة و الشاب, حسب خطط العم أنطون, كانا يجب أن يلتقيا في نهاية المطاف. إذا سارت الأمور على ما يرام كانت مراسيم الزواج يجب أن تجري في نهاية العام. في النهاية كان سيتم ترتيب أمور كلارا و هو كان سيبدأ حياة جديدة –
إذن, يا عزيزي أندرياس, تابعت كلارا, أين كنا؟ لا أذكر, من جهة أخرى مواضيع أحاديثنا ليست مهمة أبداً, أليس صحيحاً؟ لقد تكلمت عن صخرة, ذات لون بنفسجي, أزرق فاتح و – عن عندليب. كنت أريد أن أبدي لك بعض الاحترام, و أن أواسيك قليلاً أيضاً, أتمنى أن تكون مديناً لي بسبب رضوخي. كان بإمكاني التكلم معك عن كل شيء مثلاً: عن لوحة لا يرى عليها سوى اللون الأسود! ألا تصدقني؟ مع ذلك سيأتي يوم, و هو ليس ببعيد كثيراً, الذي ستتواجد فيه هذه اللوحات و العالم سيصفق للفنانين! هل تفهم ماذا أعني؟ هل تفهم, نعم أم لا؟
يا إلهي, كم الجو حار, أنا اشعر بحر لا يمكن وصفه! أنت لا يمكن أن تتصور كم يضيق علي المشدّ, هذه الموضة لا تطاق, ولكن إذا أغمضت عيني أرى نفسي أطير –
هل تود أن تنضم إلي, هل يريد زوجي في المستقبل أن ينزع سترته و يتجرأ رقصة مع حبيبته؟ قل لي بأنني حبيبتك و أنت ستفعل كل شيء من أجلي و انك تحبني كما لم تحب أحداً! آه يا أندرياس, أنت لا تملك فكرة عن كيف و متى تتشابك الكلمات في الرأس, عندما تتداخل و تتعقّد بلا أمل, عندما لا يكون باستطاعتك إيجاد فكرة نقية واحدة, مع ذلك فجأة تفهم لأول مرة على الإطلاق بأنك تمكنت من خداع الكذب –
كل شيء له ثمنه, يا عزيزي أندرياس, يجب أن تعرف ذلك أفضل من أي شخص آخر: ألم تمض ثلاث سنوات منذ أن بدأت تعمل في مكتب أبيك التجاري؟ العم أنطون يقول: هذا الشاب ينبئ بمستقبل جيد, حقاً أنه ينبئ بشيء جيد! ألا تريد, يا عزيز أندرياس, بدلاً من أن تكون شاباً ذو مستقبل ناصع, أن تغص في الأعماق مع حبيبتك كلارا؟ من قال, من تجرأ على القول بأن الحجرة لا تتنازل أبدا لكي تتفتح كالورود؟ ترهات!
الأرض, يا أندرياس, اسمع, الأرض السوداء تنفتح تحت أقدامنا, الآن في هذه اللحظة لأنني أنا أريد ذلك, لأنني أنا آمر بذلك و أنت ستأتي معي إلى حضن الأرض – أو تعود إلى مكتب أبيك و تقوم بأتفه الأعمال في العالم! قرر!
أنظر إلى هناك في الأسفل كيف أن الأطفال لا يزالون يعذبون الضفادع, يثرثرون كالعجائز, كالنساء, الواحدة تلو الأخرى, يشعرن بالاختناق, لو يستطعن فقط تمزيق كل هذه الألبسة التي يلبسنها - ولكن ماذا تقول لك حبيبتك كلارا! عفواً, يا عزيزي, كنت ساهية! فلنتذكر الآن: لقد تركانا لوحدنا, لغاية ما تبوح لي بحبك. إذن بح لي بحبك! بح! اشعر و كأن العم يفقد صبره. إنه ينظر نحونا, طبعاً يخشى من نتيجة سيئة لمبادرته, يريد أن يتخلص مني, يريد أن يبدأ حياة جديدة, لم يعد يطيق لوحاتي في البيت, لأنه يعرف بأنني على حق!
فكّر بأنه في إحدى المرات, ليس منذ وقت طويل,فاجأني في المطبخ, بينما كنت أساعد الطباخة. كنت أنظف دجاجة, دجاجة كانت قد ذبحت لتوها. كانت لا تزال دافئة و عندما انتهيت من تنظيفها – الطباخة كانت مسرورة تماماً من عملي – أدخلت يدي اليمنى في أحشائها. و بينما كنت جالسة هكذا وجدت العم يدلف المطبخ فجأة. و, يا عزيزي أندرياس, إذا كنت تصدّق أو لا تصدّق, لم يؤنبني! حدّق بي فقط, كان على وشك أن يبتسم: حتى هو, على ما أعتقد, لا يعيش كما يجب.
من جهة أخرى إنه محافظ جداً حتى يقرّ بذلك و لهذا السبب أنا أحبه أكثر. يقضي الأمسيات وحيداً في مكتبته. لا يملك أصدقاء, يفضّل صحبة كتبه. يقرأ موباسان, بلزاك أيضاً, و لكن فوق كل شيء موباسان حيث يجده من أكثر الكتاب كآبة. كل عام يحتفي بذكرى موت عمتي بحفلة هو المشاهد الوحيد فيها. لا أحقد عليه لأنه لم يدعوني أبداً لأنضم إليه, لأنني أعرف بأنه هكذا. إنه رجل يحب أن يراقب الآخرين من بعيد. لم يقل بأنه يحبني. إنه يخشى ذلك, هل تفهم, إنه يخاف مني –
أنت أيضاً تخاف مني, يا أندرياس, أليس صحيحاً؟ هل ستخاف فيما إذا أخبرتك أنه خلال الليل, أحياناً بقميص النوم فقط, أخرج من البيت لأعانق شجرة في الحديقة؟ إنها عادة غريبة, أليس كذلك؟ أتساءل دائماً فيما إذا كان عمي يعرف ذلك, فيما إذا كان قد رآني مرة, بالصدفة, في ليلة مقمرة أو حتى فيما إذا توقف هناك ليراقبني؟ لا أعرف, ولكن أتخيل دائماً, بينما أغمر الشجرة بحناني الدافق, أن عمي يراقبني من النافذة!
أنت صامت يا أندرياس و أنت محق في ذلك.
يمكنني القول إنه من دواعي أسفي, ولكن الأمر ليس هكذا. لقد نسيت كل الكلمات الجميلة و الجمل التي كنت تريد إلقاءها تحت أقدامي لكي أتزوجك, كما يقال. أنت تريد أن تسعدني, أعرف ذلك, ولكن ما هي السعادة؟ ابيض على أبيض و أسود على أسود أو أنها سواد على بياض؟ أهي وحدة أم تغاير؟ أهي مشوار بريء تحت شمس ربيعية أم أنها المجزرة الأبدية أمام أعين الرب اللامبالية؟
أنظر, كيف يلهو الأطفال! الآن يتشاجرون بعصي غليظة, بينما هنالك في الأسفل, باتجاه المستنقع, الطفلات البدينات و الأكثر بشاعة لا يزلن قابعات على العشب, يلتزمن بالصمت لكونهن قبيحات! إنه لأمر مضحك, أليس كذلك؟ إنه يضحك حقاً! ولكن أفهم ذلك, في هذه اللحظة لا تملك الرغبة في الضحك, حتماً! تريد أن تتراجع عن عرضك, تريد أن تبوح بالحب كما يجب, مع كل تلك الكلمات الحلوة المختارة التي وضعتها معاً منذ أيام. إنه أمر طبيعي. الآن, يا عزيزي, أنا كلي آذاناً صاغية, تكلم و أنا سأصغي إليك.الجواب تعرفه مسبقاً!
هكذا تكلمت كلارا و في نفس الوقت انزلقت نظرتها نحو الآخرين لتتوقف في النهاية عند القطعان المفضلة لدى العم, الذي كانت عيناه الغامقتين في نفس اللحظة متوقفتان على ذلك الشق الخفيف ما بين رقبتها و كتفها حيث وجد لمرات لا متناهية مآله الداكن. الآن كانت كلارا تسمع أندرياس يتكلم, كما من بعيد, غمغمة مشوشة كانت تصل أذنها, ولكنها لم تفعل أي جهد لتفهم ماذا كان يقول.
في لحظة من اللحظات ساد الصمت و بعد أن تركت يمر وقتاً مناسباً, قالت و تبتسم: حتماً أنا أريد ذلك! سأكون, بسرور عظيم, زوجتك! تعال, فلنذهب لننادي العم الآن! يجب أن يكون أول من يسمع ذلك! نهضت بقفزة, الكتف كان لا يزال يحرقها, ركضا باتجاه العم أنطون, لفت ذراعيها حول عنقه و همست في أذنه: أنظر, كما قلت لك أيضاً, الحجرة تتنازل لكي تتفتح كالورود كيف و متى تشاء, لقد تمّ قذف النرد, و آخر ضربة فرشاة على اللوحة تمّ أداؤها, الآن, أعتقد بأنه حان الوقت لكي نبدأ-
www.lapoesiaelospirito.wordpress.com
ترجمة: يوسف وقاص